الشيخ محمد هادي معرفة

356

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وممّا امتاز به هذا التفسير أنّه لم يترك موضعا جاءت مناسبة الوعظ والإرشاد إلّا وقد استغلّ الفرصة ، وأخذ في الوعظ والزجر والترغيب والترهيب . من ذلك عند ذكره لقصّة آدم وتوبته ، وأنّه إنّما تقبّل اللّه منه التوبة بأُمور ثلاثة تمثّلت في آدم ، فليكن ذلك من كلّ تائب ، وهي : الحياء ، والدعاء ، والبكاء . . . ثمّ أخذ في الوعظ والإرشاد ، متمثِّلًا بقول محمود الورّاق : يا ناظرا يرنو بعيني راقد * ومشاهدا للأمر غير مشاهد مَنَّتْكَ نَفسُك ضلّة فأبحتها * سبل الرجاء وهنّ غير قواصد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي * درك الجنان بها وفوز العابد ونسيت أنّ اللّه أخرج آدما * منها إلى الدنيا بذنب واحد « 1 » التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) للإمام فخر الدين محمّد بن عمر بن الحسين الرازيّ ، المعروف بابن الخطيب ، من أصل طبرستانيّ ، نزل والده الريّ واشتهر بها . في ظاهره أشعريّ شافعيّ المذهب ، صاحب تصانيف ممتعة في فنون المعارف الإسلاميّة ، مضطلعا بالأدب والكلام والفلسفة والعرفان . قال ابن خلّكان : إنّ كتبه ممتعة ، وقد انتشرت تصانيفه في البلاد ، ورُزق فيها سعادة عظيمة ، فإنّ الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدّمين ، توفّي سنة ( 606 ه . ) . وتفسيره هذا من جلائل كتب التفسير ، وقد استوفى الكلام فيه ، بما وسعه من الاضطلاع بأنحاء المعارف وفنون العلوم ، ولم يدع براعته متجوّلة في مختلف مسائل الأصول والفلسفة والكلام ، وسائر المسائل الاجتهاديّة النظريّة والعقليّة ، وأسهب الكلام فيها ، بما ربّما أخرجه عن حدّ الاعتدال . وكثيرا ما يترك وراءه لمّة من تشكيكات وإبهامات بما يعرقل سبيل الباحثين في التفسير ، ولكنّه مع ذلك فإنّه فتّاح لكثير من مغالق المسائل في أبحاث إسلاميّة عريقة .

--> ( 1 ) - . المصدر نفسه ، ج 1 ، ص 149 .